الثلاثاء 17 مايو 2022 م -
  • :
  • :
  • ص

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

    الشهيد الجعبري.. عقليّة فذة تتلمذت في ساحة المبدأ والتجربة والفداء

    آخر تحديث: الإثنين، 17 ديسمبر 2012 ، 00:00 ص

    ها هو فارس جديد ينضم لقافلة شهداء فلسطين، فارس شجاع مؤمن، كان أعظم ما في حياته، أنه كان يسعى إلى الشهادة. بطل حقيقي، واجه الحياة وتصدى للعدو بالصدق مع ربه ونفسه، عرف ماذا يريد، وسعى إليه بكل ما أوتي من مفردات القوة والإيمان.
    اليوم أبحث معكم عن مساحات العبقرية والتفرد والنبوغ الإنساني والأخلاقي والنضالي في ملفات حياة هذه الصفوة.. وكان أحمد الجعبري واحدا منهم. واحدا من تلك الصفوة النادرة، التي تفيض على كل من حولها نضالا وشجاعة وبرّا وخلقا. وعندما ألتقي بهذا النموذج من الأنماط الإنسانية النادرة أشعر بالأسى والحزن والشجن، يكاد يخنقني ويزهق أنفاسي، عندما تمتد يد الغدر لتخطفهم في لحظات عاصفة.
    أحمد الجعبري.. رجل من معدن الذهب الأصيل، الذي لا تزيده نيران الاحتلال وجبروته وغدره إلا أصالة وتألقا، أنه الفارس القائد الذي غاب عن ساحة الميدان، وهي أشد ما تكون حاجة إليه.
    كان قائدا فذا.. كأنه كتيبة من المقاتلين، كأنه هيئة أركان حرب قائمة بنفسها، يخطط ويقاتل ويعلم وينظم، ويجمع بين عبقرية الفكر العسكري وبين نبوغ القائد، الذي يبث في روح جنوده الشوق إلى الشهادة والنصر، وقهر العدوان والبطش.

    التقيت عشرات الشهداء والأبطال واهتز وجداني بعبقريات الأبطال الذين سقطوا ضحية الغدر والعدوان، ولكن أحمد الجعبري حالة خاصة جدا، بطولة نادرة، وشخصية فذة.

    أقوى من الموساد
    رجل دوخ آلة المخابرات العسكرية بكل ما فيها من النظريات والأبحاث والدراسات والتجارب والآلات والعدد والمستحدثات.
    رجل واحد فرد، هزم استخبارات الموساد والـ السي.أي.ايه وتفوق على هيئة أركان الجيش الذي لا يقهر، وحافظ على أسيره "جلعاد شاليط" أكثر من خمس سنوات. إن فضيلة الشجاعة تنحني أمامها كل الرؤوس، فإذا جمع القائد بين نبل الأخلاق، وصدق الرؤيا، وقوة الحق وحرارة الإخلاص والمبدأ شكل نموذجا فريدا رائعا لشعبه وأمته وللإنسانية جمعاء.
    كان في حياته قَبس من مسيرة المناضل عمر المختار، وكان في حياته لمحات شجاعة وفروسية نجدها في بطولة خالد بن الوليد، وكانت في زهده وعفته فصول رائعة من حياة صلاح الدين الأيوبي.
    فمن أي معدن، كان هذا البطل القائد من أبناء فلسطين..

    ومن رحم السجون ولد قائدا
    أمضى في سجون الاحتلال ثلاثة عشر عاما، فلما خرج، انطلق إلى ميدان المعركة جنديا محاربا فذا، لم تؤثر فيه سنوات السجن، ولم تنسحب ظلماته على عينيه غشاء من السواد، وإنما تألقت بين جوانحه شمس الحقيقة والنضال والقتال في الصفوف الأولى، طالبا الشهادة، بعلمٍ وصبرٍ وشجاعة وتخطيط، ليسقي العدو كأس المنون والهزيمة.
    ولعل أروع ما في حياة الشهيد الجعبري ذلك الفصل المثير الذي ارتبط بالتخطيط والتنفيذ لعملية الأسير جلعاد شاليط، فقد كان أحمد الجعبري وراء العملية تخطيطا وتنفيذا، فلما عاد المقاتلون بالأسير تسلمه وحافظ عليه ولازمه طوال أعوام طويلة وعامله معاملة إنسانية رفيعة مستوحاة من الخلق الإسلامي الرفيع الذي يضمن للأسير كرامته وإنسانيته.
    ولا شك أن آلة المخابرات الجهنمية الصهيونية المعروفة بالموساد، وآلة المخابرات الأمريكية المعروفة بالسي.اي.ايه كانت تتبع وتلاحق أحمد الجعبري مؤملة أن تستطيع استعادة شاليط، ولعل الحملة العسكرية التي أطلق عليها "الرصاص المصبوب" عام 2008، كان من أهم أهدافها البحث عن شاليط وتحريره ولكن ذلك لم يتحقق بفضل عبقرية أحمد الجعبري وحسن قراءته للفكر العدواني الغادر.
    لقد حافظ عليه، بل وحاول التأثير عليه بالمنطق والعقلانية وشرح له حقيقة الشعب الفلسطيني وأقنعه بصورة رائعة بمدى ظلم وغطرسة وعدوان الآلة العسكرية الصهيونية التي تريد أن تغتصب أرض الآخرين وأن تحرمهم من حق الحياة.
    حافظ أحمد الجعبري على شاليط وضمن له حالة صحية ونفسية سليمة وظل في رعايته حتى سلمه إلى أهله بعد أن تم الاتفاق على الإفراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني.. وها هو الاحتلال يرد له الجميل فتغتاله غدرا مع مرافقه بصاروخ لم يبقِ من سيارته إلا أشلاء.
    هذه العبقرية العسكرية التنظيمية، التي تجمع بين الإنسانية والذكاء والخبرة، والمقدرة الفذة، هي التي تجعل العقلية الفلسطينية قادرة على الانتصار والتفوق، فقطاع غزة، لا يزيد عن 368 كيلو متر مربع، ومع ذلك حاولت الآلة الجهنمية الشيطانية أن تصل إلى شاليط، ولكن أحمد الجعبري، استعصى عليهم.
    وليس ذلك فحسب، فالروح الإنسانية النبيلة، والخلق الإسلامي الرفيع والتسامح والرحمة والتواصل، كانت أسلوب أحمد الجعبري في التعامل مع الجندي الأسير، الذي أدرك، كم هو إنساني ونبيل ونظيف الإنسان الفلسطيني، حتى لو سلبوه وطنه وأرضه وشردوه، فهو فوق الأحقاد، والعنصرية، والنقمة والتشفي.
    كان أحمد الجعبري كالتبر الحقيقي الذي نستخلص منه الذهب الأصيل بالمحن والنار والبارود والمتفجرات.
    قائد شجاع، يعرف أن الموت يترصده، وأن العدو يتربص به، ويدرك أنه مستهدف، وأنه على قائمة الاغتيال.
    ولكنه لم يتراجع، لم يجبن ولم يتردد، تأمل قائمة الشهداء الأبطال من رفاقه، ومضى مقاتلا مؤديا رسالته، يسعى للشهادة مؤملا أن يلحق بالرفاق، هذه الروح البطولية الفدائية، تجلت في الشيخ أحمد الجعبري، وكانت شعلة وضاءة تنير له الطريق ليمضي قدما مجاهدا متحديا، مصمما على تحرير وطنه وإعلاء كلمة الحق في سبيل الله والوطن والواجب.

    بطولات عائلية
    استشهد ابنه الأكبر "محمد" فاحتسبه عند الله شهيدا ولم يتراجع، ولم يتردد، بث في أولاده، فلذات كبده..
    بث فيهم روح الجهاد وحب الوطن والرغبة الصادقة في حمل الرسالة بوعي وعلم وخلق، وبانضباط ديني رفيع في أداء الصلاة، وبحب إنساني خلاّق لقيم الحق والخير والجمال.
    يقول مؤمن الجعبري "19" عاما عن والده الشهيد: إن اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاد والدي كانت تشير إلى أنه يستعد لملاقاة ربه.
    فقد انتهى من تحقيق أمنيتين له كان في شوق دائم لتحقيقهما وهما: أن تقر عيناه برؤية الأسرى محررين، والحج إلى بيت الله الحرام.
    وكان بعد عودته من الحج يفضل التقرب من الناس، ويتعامل مع الجميع بروح عالية من الشفافية والمودة، وتلمع في عينيه وملامح وجهه آيات من الحب والتواصل الوجداني البديع، كانت نظراته وإشاراته توحي بأنه كان يودع الدنيا، والحقيقة أن هذا السلوك قد تجلى أمامنا الآن بصورة واضحة بعد استشهاده.
    ويقول مؤمن، وقبيل استشهاده طلب مني أن أسلم بعض الأمانات والديون إلى أصحابها، وأوصاني بإخوتي وطلب مني أن أحثهم على الصلاة بالمسجد، والتشبث بالجهاد والمقاومة.
    وقال مؤمن: إن والده كان يمتلك حسا أمنيا عاليا، كان شديد الحذر في كل تحركاته، وكان على وعي تام بخطط العدو الذي يتربص به، ولذلك عجزت أجهزة العدو الإستخبارية عن استهدافه لسنوات وسنوات، ولكن في هذه المرة جاءت لحظة القدر لملاقاة ربه لتنال منه طائرات الاحتلال، ليصعد شهيدا للقاء ربه كما كان يدعو دائما.

    وكان والدا محبا عطوفا
    ويقول مؤمن، رغم أعباء والدي القيادية والعسكرية، ورغم متابعته لملف الأسرى، فإن شخصيته القوية الحازمة، شخصية القائد العسكري القوي، كانت تتلاشى عندما يتعامل معنا، بتواضع وحب وقلب يخفق بالحنان والرقة والطهارة والعطف، وكانت توجيهاته لنا قائمة على: النصح والإرشاد والإقناع، وكان قريبا منا كأصدقاء له يغمرهم بالحب والاهتمام.
    ويكشف ولده معاذ "17" عاما عن جوانب أخرى من شخصية الشهيد أحمد الجعبري فيقول: كان والدي شديد الحرص على متابعة شؤون أُسر الشهداء والجرحى والأسرى، وكل ضحايا الاحتلال، وكان والدي يشارك في كثير من الاحتفالات والمهرجانات الجماهيرية الشعبية، ولكن بعيدا عن كاميرات الإعلام، وإنما في الصفوف الأخيرة التي لا تلفت الأنظار. وأضاف معاذ: لم يكن والدي يتقدم في الصفوف الأولى إلا في ميادين المواجهة حين ملاقاة العدو.

    عاشق التاريخ وجغرافية فلسطين
    ويكشف ابنه مالك "15" عاما عن جوانب أخرى من شخصية البطل الشهيد فيقول: كان والدي قد حصل على درجة جامعية في التاريخ والجغرافيا، وكان يحثني دائما على دراسة الجغرافيا لأكون على علم بتفاصيل بلدي، وأستوعب كل شبر من خارطة فلسطين التاريخية، ولأتعرف على ثرواتها التاريخية، وأكتشف تضاريسها ولأدقق في كل طبيعتها وسهولها وجبالها ووديانها وكل ذرة رمل من ترابها.
    وكان والدي حريصا على أن يبين الثروة الحقيقية لفلسطين، وأسباب اليهود في الحرص على احتلالها. 
    ويساهم أحد أقارب الشهيد في رسم صورته وإلقاء الضوء على ملامح شخصيته فيقول: كان أبو محمد (أحمد الجعبري) يحرص على أن يبين لنا أن قوة العدو تقوم على شراء الصواريخ، أما نحن فعلينا أن نعتمد على أنفسنا ويجب أن نقوم بتصنيعها بأنفسنا.
    ويضيف هذا القريب الصديق الذي يدعى "أبو أحمد": كان أبو محمد يتقدم صفوف المقاومين، وكان قائدا شعبيا محبا لجنوده ورفاقه، يفضل الاحتكاك بهم، والتعرف على أفكارهم وآرائهم، ويصغي باهتمام لاقتراحاتهم، ويتلمس سبل احتياجاتهم، محاولا دائما التركيز على إثراء تجارب وخطط ومفاهيم جنوده، طارحا الحلول للعقبات والصعاب التي تعترض خطط المقاومة والتصدي لجيش الاحتلال.

    عقلية عسكرية فذة
    وقالت عنه صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية: إن كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية أصبحت بفضل قيادة أحمد الجعبري، ذات تنظيم عالٍ ومهنية متزايدة، وأصبحت تتبنى أنظمة تدريب وتسلسل قيادي واضحين، كما أصبحت أكثر مهنية وأشد انضباطا عسكريا، وقد وصل عدد المنتظمين فيها أكثر من عشرين ألف مقاتل.
    وتضيف الصحيفة، أن الجعبري عزز خلال السنوات الأخيرة القوة السياسية للفرع العسكري، كما أصبح بطلا شعبيا تملأ صوره الملصقات واللافتات على نطاق القطاع.
    وتقول الصحيفة: أن "القسام" يعمل منذ فترة طويلة على هيكل لا مركزي، حتى إذا فقدت قيادتها، فإن قيادة جديدة تنهض لتحل محلها، فهي مقسمة إلى أجزاء شبه مستقلة، وهم يعملون على شكل خلايا، ولذلك حتى إذا كان الجعبري هو القائد، فهناك قادة آخرون.
    وذكرت الصحيفة، أن أحمد الجعبري قسم قطاع غزة إلى ست مناطق جغرافية، لكل منطقة قائدها الذي يخضع لسلطته، ولكل منطقة مدفعيتها، ومضادات للدبابات والطائرات، بالإضافة إلى قناصتها ومهندسيها ومشاتها، علاوة على قوات خاصة بالاتصالات والأعمال اللوجستية، والتهريب، والأسلحة والاستخبارات والعلاقات العامة.

    ولد وعاش ليكون ثائرا
    ولد أحمد سعيد الجعبري عام 1960 في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وحصل على شهادة البكالوريوس، تخصص تاريخ من الجامعة الإسلامية بغزة.
    وقد استهل الجعبري حياته النضالية في صفوف حركة فتح، ومن ثم اعتقل مع بداية عقد الثمانينيات على يد قوات الاحتلال، وأمضى ثلاثة عشر عاما في سجون الاحتلال، بتهمة انخراطه في مجموعات عسكرية تابعة لفتح خططت لعمليات فدائية ضد الاحتلال عام 1982.
    وانتمى لاحقا لحركة حماس، وعمل بمكتب القيادة السياسية لها، وتأثر بعدد من قادتها ومؤسسيها الأوائل وكان من أبرزهم:
    الشهيد عبد العزيز الرنتيسي
    الشهيد إسماعيل أبو شنب
    الشهيد نزار ريان
    الشهيد إبراهيم المقادمة

    كما تأثر إلى حد بعيد بعقلية وفكر الشيخ الشهيد صلاح شحادة. وعقب الإفراج عنه من سجون الاحتلال عام 1995، تركز نشاطه في إدارة مؤسسة تابعة لحركة حماس تهتم بشؤون الأسرى والمحررين، ثم عمل في العام 1997 في حزب الخلاص الإسلامي، وفي تلك الفترة توثقت علاقة الجعبري بالقائد العام لكتائب القسام "محمد الضيف" والقائدين البارزين، عدنان الغول وسعد العرابيد، وساهم معهم إلى جانب الشيخ صلاح شحادة في بناء كتائب القسام.

    اختراق حاجز الخوف
    ويقول ايتان برونر مراسل صحيفة "هيرالد تربيون" في معرض حديثه عن بصمات الشهيد الجعبري:" لقد حول القائد أحمد الجعبري قوات المقاومة ذات العيار المنخفض إلى قوة منضبطة، ذات أسلحة متطورة مثل صواريخ "فجر 5"، وزاد إلى حد كبير من الخطر على المدن الكبرى في الكيان الصهيوني، ولهذه الصواريخ مدى 45 ميلا، وتطلقها طواقم مدربة من منصات إطلاق تحت أرضية".
    وكانت إستراتيجية الجعبري فعالة ومخيفة بالنسبة للصهاينة؛ بل إن الجعبري نجح في تطوير أسلحة المقاومة الفلسطينية، وإنتاج وتصنيع صواريخ طويلة المدى، وكذلك طائرات من دون طيار، كان الجعبري يخطط لها بأن تحلق في سماء دولة الصهاينة - فوق مدنها تماما، كما تطوف الطائرات الصهيونية من دون طيار في أجواء غزة ناشرة الرعب والخوف في صفوف المواطنين الآمنين.
    ويقول أحد خبراء الأمن الصهاينة: "إن الجعبري الذي يعتبر خبيرا استراتيجيا حاذقا، استطاع منذ العام 2007 أن يحول عملية الدفاع عن الأحياء السكانية إلى عمليات تصدي يقوم بها جيش حقيقي، فقد استطاع أن ينظم ما كان "ميليشيا" على شكل سرايا، إلى كتائب وألوية، وقام بإرسال العديد من القادة إلى سوريا وإيران ليقوم الحرس الثوري بتدريبهم، ثم بنى من كل هذه الفروع مؤسسة لتطوير تكنولوجيا عسكرية تركز على الصواريخ الطويلة المدى"، حسب تعبيره.
    وقال جيفري وايت – وهو محلل سابق في استخبارات الدفاع الأمريكية - إن لدى المقاومة الفلسطينية، في أي حال تشكيلة من أنواع الصواريخ والأسلحة في ترسانتها، بالإضافة إلى "فجر 5". كما أنها تمتلك بضع مئات من صواريخ غراد من عيار 122 ملم، وذات رؤوس حربية فاعلة.

    لن نموت صامتين
    لقد كان الشيخ الشهيد يجسد في كل قراراته وممارساته واجتهاداته إرادة القتال، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ضد أشرس قوة عسكرية حديثة، تستند إلى قوى البغي والعدوان الأمريكي والغربي، وبينما يرفض العالم الدفاع عن الفلسطينيين، دعا الجعبري إلى ضرورة أن ندافع عن أنفسنا، فإن لشعبنا الحق في الحياة والدفاع عن النفس.
    وكان أحمد الجعبري يؤمن بما يقوله موسى أبو مرزوق: "لن نموت صامتين بعد الآن".
    وكان أحمد الجعبري عقلانيا في قراراته وتصوراته، كان إيمانه يدفعه إلى الطموح، إلى النصر والاستشهاد، ولكنه كان على وعي بأن هزيمة العدو ليس أمرا يسيرا، ولكن في وسعنا أن نقف أمام الطغيان الصهيوني والعربدة المجنونة التي قوامها القوة العمياء، في استطاعتنا الوقوف أمامها بحزم، وفي مقدورنا أن نشل الحياة في جزء كبير من البلاد وذلك حق مقدس لنا، يجب أن نحرص عليه في ظل الربيع العربي الذي سيغير موازين القوى، حيث تلتقي الأيادي وتلتف كلها حول رايات المقاومة الفلسطينية والعلم الفلسطيني.
    ومن المقولات المعروفة عن الشهيد الجعبري قوله: ما دام الأعداء يحتلون أرضنا، فليس لهم سوى المقاومة، ومن مقولاته: أن كتائب القسام لم ولن تسقط من حساباتها أي خيار ممكن من أجل تفعيل المقاومة، وتحرير الأسرى، وقهر العدو.
    وستبقى عيوننا شاخصة صوب القدس، والأقصى، ولن تنحصر داخل حدود غزة، وأن مشروعنا المقاوم سيمتد كما كان دوما ليشمل كل مدننا وقرانا وأراضينا المغتصبة.

    لمسات إنسانية
    أنجب الشيخ أحمد الجعبري اثني عشر ولدا وبنتين، وعاش حياته في سرية تامة، حيث نأى بنفسه عن كل وسائل الإعلام، ولم يظهر إلا في نطاق بعض التدريبات العسكرية للمناضلين، ويوم تسليم الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط لمصر ظهر وهو ممسك به إلى جانب القيادي المناضل رائد العطار، كما ظهر في بعض المناسبات الخاصة بتكريم الأسرى المحررين لدقائق قبل أن يختفي.
    وكان القائد الشهيد يتقن اللغة العبرية، وكان يحث جنوده على ضرورة تعلم اللغة العبرية مصداقا للمقولة الحكيمة من تعلم لغة قوم أمن شرهم، وكان إتقان اللغة العبرية يساعد على تفهم نفسية العدو، وطريقة تفكيره كما كان يساعد على فهم اتجاهات الرأي العام الصهيوني، وفهم فلسفة الأحزاب وخططها وبرامجها والوقوف على أبعاد الشخصيات والزعماء الصهاينة.
    ومن اللحظات الحرجة في حياة الشهيد، أنه تعرض لأربع محاولات اغتيال قبل ذلك، وفي إحداها وكان ذلك عام 2004 استشهد ابنه البكر محمد، كما استشهد شقيق له، وبعض أقاربه.
    وقد قاد أبو محمد عملية تبادل الأسرى الأخيرة، المعروفة باسم "صفقة شاليط" حيث تمت عملية التبادل عام 2011 وفيها تم مبادلة الأسير شاليط بـ 1027 أسيرا وأسيرة فلسطينية بعضهم من ذوي الأحكام العالية.

    في سجل الخالدين
    البطل الشهيد أحمد الجعبري، صوت وصورة وتاريخ وهامش مهم في ذاكرتي، ووجداني وأيامي، فارس جديد، ينضم إلى قافلة الأبطال الأصدقاء الذين عرفتهم وزاملتهم وعايشتهم، واكتويت بنيران فراقهم وبكيت الدموع دما، حسرة وألما وحزنا عليهم وهم يُختطفون في لمح البصر بيد الغدر والعدوان والقافلة طويلة، طويلة، والذكريات معطرة بشذا البطولة، والفداء، وعبقرية النضال. ها هو أحمد الجعبري يأخذ مكانه بين صفوة الشهداء، الذين احتلوا أنصع الصفحات في تاريخ أشرف ثورة وأعظم مسيرة.
    تلك القافلة الرائعة من صفوة الشهداء، ممن استوقفوا التاريخ فأنحني إجلالا أمام بطولاتهم: صلاح خلف (أبو إياد)، خليل الوزير (أبو جهاد)، الشيخ أحمد ياسين، أبو على مصطفى، ماجد أبو شرار، عصام سرطاوي، وائل زعيتر، سعيد حمامي، محمود الهمشري، عبد العزيز الرنتيسي، صلاح شحادة، هايل عبد الحميد، غسان كنفاني، ناجي العلي، أبو علي حسن سلامة ، يحيى عياش وغيرهم كثيرون.
    هذه نخبة من القادة، الأبطال الذين قُدر لي بحكم عملي الإعلامي أن ألتقيهم، وأتواصل معهم، واقف على خبايا عبقريتهم النضالية والإنسانية، ولهذا كان حزني عليهم، يترك بصماته على شرايين قلبي ووجداني، فلا نكاد نفقد واحدا منهم، إلا ويأتي فارس جديد، يجدد أحزاننا ويشعل في وجداننا نيران الألم والحزن.
    وها هو أحمد الجعبري، ينضم إلى هذه القافلة من نخبة الأبطال والقادة الذين يشكلون بمواقفهم وبطولاتهم علامات بارزة في تاريخ الثورة الفلسطينية.
    وقبل أن استرسل في رسم صورة البطل لا بد لي أن أقف أمام الشهيدين الرائدين: الرئيس ياسر عرفات، والشيخ أحمد ياسين، وقد أتاحت لي المتغيرات النضالية والإعلامية في حياتي أن اتخذ من عرفات قائدا ومرشدا ومعلما ونبراسا ونموذجا ورائدا، عايشت حياته واكتويت بآلامه وشربت كأس المرارة، الذي فرض على كل فلسطيني حر أن يُسقاه وهو يواكب حياة الرئيس وما فيها من حروب ومؤامرات.
    كم انتشيت وحلقت في سماء المجد لانتصارات الرئيس وصلابته وصموده وبطولاته، حتى غدا علما من أعلام النضال المعاصر لكل المناضلين في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا وفي شتى الأمم والشعوب المقهورة المحاربة، في يمينه جائزة نوبل للسلام وفي يُسراه شهادة كاسترو ومانديلا وشيراك وغيرهم من العظماء الذين انحنوا إجلالا أمام نضاله ورسالته.

    قائد تتلمذ على يد شيخه
    وأما الشيخ أحمد ياسين فهو صنو للرئيس عرفات، ورفيق لنضاله، ومفجر لثورة وقيادة حكيمة، أنه صورة نابضة للبطولة والرؤيا وبصيرة رائعة وفكر خلاق وجرأة لا تتوفر إلا في الرواد.
    هكذا كان يراه عرفات وهكذا لا يعرف قدر الرجال إلا الرجال.
    تابعت ثورته وأعماله وواكبت بطولاته في كل معركة وموقعة ومرحلة وذلك من خلال عملي الصحفي وعبر منابر إعلامية عربية وأجنبية كان لي شرف تحريرها وإصدارها في الوطن والخارج. 
    وها نحن اليوم ننحني إجلالا لعبقرية فريدة استلهمت النضال والبطولة وروح المقاومة من الرئيس ياسر عرفات والشيخ الشهيد أحمد ياسين، إنه أحمد سعيد الجعبري الذي يحتل منزلة رفيعة في قائمة الشهداء الأبطال الرواد.
    إن كل قطرة دم تسقط في ميدان الشرف موضع إجلالنا واحترامنا، وأن كل شهيد من شهدائنا هو منارة وعلم وراية خفاقة فوق ربوع بلادنا. ولكن التنافس في ساحة النضال والمجد والتسابق إلى ميدان البطولة أحد معالم ثورتنا في تاريخنا المعاصر وأرضنا المقدسة أرض الأنبياء والبطولات التي أنجبت أحمد سعيد الجعبري.

    نفحات بطولية
    والواقع أن الشهيد أحمد الجعبري كان قائدا فذا، لقد كان نسيجا وحده فهو يتحلى بمصداقية رائعة حتى مع العدو الغادر، فالصحافة العالمية بل وبعض الصحف الصهيونية تقول: إن يد الغدر الآثمة التي اغتالت أحمد الجعبري كانت يدا جبانة أخذته غدراً.
    لقد كانوا يتفاوضون معه بطريقة أو بأخرى على التهدئة، قبل ساعة واحدة من استهدافه ومن ثم، اغتالوه.
    وقدموا بذلك دليلا جديدا على أساليبهم الحاقدة الرخيصة التي لا تحفظ عهدا، ولا تؤمن بفضيلة، ولا تقيم وزنا لأي أخلاق أو إنسانية.
    لقد استقصيت أنباء العملية الغادرة في شتى المجالات والمنابر الإعلامية العالمية، وكلها تدين هذا الاغتيال الذي سيفتح على الاحتلال أبواب جهنم.
    لقد كانت شخصية أحمد الجعبري مزيجا نادرا من شهامة الفارس وصدقه، وبطولته واستقامته وفي نفس الوقت فقد كان ندا وخصما شريفا ومقاتلا صادقا يتحلى بصفات المحارب المسلم النزيه الذي لا يلجأ إلى أساليب الغدر والخيانة.
    أنه يؤكد شهامة القائد المحارب الذي ينأى بنفسه عن أساليب الغدر والخيانة والبطش والتعذيب والانتقام ودليلنا على ذلك أسلوبه في التعامل مع أسيره جلعاد شاليط.<


    أضف تعليق



    تعليقات الفيسبوك

حسب التوقيت المحلي لمدينة القدس

حالة الطقس حسب مدينة القدس

استطلاع رأي

ما رأيك في تضامن الشارع الفلسطيني مع الاسرى في معركتهم الأخيرة في داخل سجن عوفر؟

43.9%

19.5%

34.1%

2.4%

أرشيف الإستطلاعات
من الذاكرة الفلسطينية

استشهاد المجاهدين عثمان صدقة ومصطفى عبد الغني من سرايا القدس بعد اشتباك مسلح مع القوات الصهيونية التي حاصرتهم في مدينة نابلس

17 مايو 2006

استشهاد المجاهد خالد إبراهيم الزق أثناء تصديه لقوات الاحتلال المتوغلة في منطقة بيت حانون

17 مايو 2003

استشهاد الأسير المحرر ماجد عبد الحميد الداعور نتيجة سنوات السجن الطويلة حيث أمضى ما يقارب 10 سنوات في السجون الصهيونية وهو من مخيم جباليا

17 مايو 1999

ستة أسرى من حركة الجهاد الإسلامي ينجحون بتنفيذ عملية هروب ناجحة من سجن غزة وهم مصباح الصوري، سامي الشيخ خليل، صالح شتيوي، محمد الجمل، عماد الصفطاوي، وياسر صالح

17 مايو 1987

الأرشيف
القائمة البريدية