السبت 31 أكتوبر 2020 م -
  • :
  • :
  • م

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

    الشاب يعقوب زيدية.. غاب ساعة وعاد شهيدًا

    آخر تحديث: السبت، 29 أغسطس 2020 ، 4:27 م

    انتظر رد أهل "العروس" فجاء القبول من السماء

    يمسكُ ما تبقى من أشلاء جمعها لنجله يعقوب (٢٥ عامًا) بين ذراعيه، ولم يبق في ذاكرة الأب إلا صورته الأخيرة، قبل الخروج من المنزل وهو في "أبهى صورة"، ينتظر رد أهل فتاة تقدمت العائلة لخطبتها له، وحينما أوشكت مراسم "الخطوبة" أن تتم، كانت السماء أسرع في احتضان روحه. ثقيلة هي اللحظات التي يعتريها الفقد؛ حينما يحمل منذر زيدية أشلاء نجله ويشعر بثقلها على قلبه، ليشيعها في قلبه وهو يذرفُ دموعًا تغسل روحه، لتكون ذرات التراب الأخيرة التي تخبره أنه رحل، وغاب جسده، وصوته، وطيفه، لكن بقي حضوره بألف ذاكرة جمعتهما معًا. على أحر من الجمر كان يعقوب ينتظر رد أهل الفتاة التي تقدمت عائلته لخطبتها؛ استيقظ باكرًا، حلق شعره، ورتب نفسه وكان على "سنقة عشرة"، ثم ذهب مع والدته لغسل شقته التي جهزها لـ"عش الزوجية"، غمرته سعادة "لا وصف لها" لدى أمه، لكن قلبه "أوشك على الخفقان من شدة الترقب، والانتظار"، ولا يعلم أنه ينقاد إلى زفاف آخر، زفاف لا يعرفه إلا أولئك الراحلون. أن تتحدث إلى أبي شهيد ودع ابنه قبل يومين حاملاً أشلاءه بين ذراعيه؛ يعني أنك تتأهب لوضع مختلف عن أي حديث عابر، فوقع الرحيل تغلبه الدموع؛ تتأهب لصوت الوجع، للآهات، لكن كان والد الشهيد عبر سماعة الخط الهاتفي متمالك النفس، وإن تخفى الحزن خلف ستار صلابته. رد سريع "الشهيد كان على وجه زواج، ونحن كنا ننتظر رد أهل فتاة تقدمنا لخطبتها له، وكان مستعجلًا الرد؛ فله شقة جاهزة، لكن الله لم يرد أن يكون له زوجة بالدنيا"، سكت الأب لحظات، تنهد، زفر كل الألم الذي تجمع بداخله، متمنيًا: "نسأل الله أن يعوضه في الآخرة". كأي شاب كان لديه أحلام ببناء أسرة، "متحمسًا جدًّا" لذلك، بدا في حواره مع والده، بعدما استفسر منه: "بنفعش نتصل اليوم (الإثنين الماضي) ونشوف العروس؟"، الأب الذي له دراية بتفاصيل العادات والتقاليد الاجتماعية طلب من ابنه الصبر قليلاً حتى يأتي "الرد"، لكنه لم يتوقع أن يكون الرد رحيل ابنه. الإثنين (24 آب (أغسطس) 2020م)، ارتخى جسد الأب على سريره، بعينين تصارعان النعاس والتعب في آن واحد، ثمة تفاصيل مخبأة في زحام الذاكرة: "أوشكت على النوم، بعد صلاة العشاء، كان ابني مقاومًا (في سرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي) قد ذهب لإجراء صيانة معتادة لأحد مرابض الصواريخ، لكن صوت انفجار كبير هز أركان المنزل أيقظني، فقد كان قريبًا من بيتنا". لا يزال في التفاصيل بقية: "رحت على المكان، لقيت شهيد من الشهدا بعرفه، واسمه "إياد الجدي"، صرت أبحث عن باقي الشهداء، وما شفت حدا". وكأنَّ صوت الانفجار كان يدق أجراس الوداع، تعلق بخيط أمل رفيع وهو ينادي بصوت خافت: "يعقوب، يعقوب"، فلم يجبه إلا صدى صوته الذي ارتد إليه؛ ليضع نقطة النهاية هنا ويقطع "الشك باليقين" بعدما تأكد له أن نجله قد رحل. التفاصيل ما زالت مكدسة: "شعرت أن يعقوب بين الشهداء، حتى وجدنا بعض أطراف قدمه، بعيدة عن المكان نحو 500 متر من شدة الانفجار". ذهاب لا عودة "الحمد لله الذي جعله من الشهداء، هذا شرف لي، ورفع رأسي، الحمد لله، لي الفخر أني صرت أم شهيد"، أن تتحدث إليك أم شهيد على خط هاتفي وتبدأ حديثها بذلك الصبر، إذن أنت في مدرسة الصبر والرضا، تتعجب من أين تستمد هذه الأم قوتها أمام الحزن الذي يهز جبالاً من الرجال أحيانًا. "بدي أغيب ساعة زمن وأرجع" استقرت تلك الكلمات في نهاية دفتر الحوارات بينه وبين والدته، فكانت تلك الجملة هي آخر ما حدث به والدته، لكن سبق ذلك يوم لم تنسه الأم: "استيقظ نشيطًا، حلق شعره، ذهبت معه ونظفنا شقته؛ كنا نتحدث بموضوع توفير ما ينقص من المهر". تقول أمه: "الحمد لله ربنا رضي عنه؛ ختم نهاره بكلام طيب وشهادة ووقار يوم القيامة". تسترجع لحظات الانفجار، وما زالت متماسكة: "سمعت الصوت، شعرت أن الشهيد ابني، فكان الفارق الزمني بين مغادرته لي والانفجار عشر دقائق، أيقنت أن شيئًا ما حدث ليعقوب (...) لم يخبرني أحد أو يؤكد لي ما شعرت به، اكتفيت بالنظر إلى إيماءات عيونهم للتحقق من ذلك". أصرَّت أم الشهيد أن تودع ابنها، رفضت فكرة الذهاب لدفنه دون أن تمر رائحته عليها، وقفت أمام أشلائه بكفن أبيض تتأمل صورته الملصقة عليه، احتضنت ظله: "كنت حاسة ريحته موجودة، حاسة بروحه، ودعته ودعوت ربي أن يصبرني على فراقه"، هكذا عاشت الأم. الآن كان باستطاعتها استحضار أمنيته التي كان يرددها كثيرًا في حديثه معها: "نفسي أتفتفت وما حدا يعرفني"، كانت يومها تغلق فمه محذرة إياه كأي أم: "إنت لسه شفت حاجة في حياتك؟!"، لكن بعدما تحققت الأمنية أدركت أن هناك علامات لرحيل الشهداء، وإن لم يفهمها الأحياء. "كنت أحمله في قلبي وليس بين ذراعي، فقد كانت أشلاؤه غالية ثمينة علي" .. ثم انقطع صوت والده الذي غاب بين الدموع. بكت "الشجاعية" على رحيل أربعة من فرسانها، وأبطالها، منهم الشهيد يعقوب زيدية، روت دماؤهم الطاهرة ثرى الوطن، يرحل الشهداء وتبقى سيرهم "الطيبة" التي لا تموت، ولا تنتهي في نفوس كل من عرفهم وقابلهم.

    المصدر (صحيفة فلسطين أون لاين 27/08/2020)


    أضف تعليق



    تعليقات الفيسبوك

حسب التوقيت المحلي لمدينة القدس

حالة الطقس حسب مدينة القدس

استطلاع رأي

ما رأيك في تضامن الشارع الفلسطيني مع الاسرى في معركتهم الأخيرة في داخل سجن عوفر؟

42.9%

16.3%

36.7%

4.1%

أرشيف الإستطلاعات
من الذاكرة الفلسطينية

الاستشهادي تامر زيارة من الجهاد الإسلامي يقتل ضابط مخابرات صهيوني بعد طعنه قرب معبر إيرز شمال قطاع غزة

31 أكتوبر 1993

الاستشهادي محمد خليل القايض من سرايا القدس يقتحم مغتصبة نيتساريم المحررة جنوب مدينة غزة ويشتبك مع جنود الاحتلال

31 أكتوبر 2004

استشهاد المجاهد محمود الحاج أحد مجاهدي سرايا القدس في مهمة جهادية شرق البريج

31 أكتوبر 2007

استشهاد المجاهد عمار غوادرة من سرايا القدس في معركة بطولية مع قوات الاحتلال التي حاصرته بالحي الشرقة بجنين

31 أكتوبر 2004

استشهاد القائد جميل جاد الله أحد قادة سرايا القدس في عملية اغتيال صهيونية بالخليل

31 أكتوبر 2001

وفاة الأسير المحرر زكي أبو ستيتة من مخيم جباليا إثر مرض عضال

31 أكتوبر 2000

الأرشيف
القائمة البريدية