الشهيد عابد ..لفظ أنفاسه تحت الأرض ليحيا من فوقها بكرامة

أما زالت تسكن روحك الجسد يا أمي أم فاضت لبارئها؟، وكيف لأنفاسك أن ترحل دون أن تهديني قبلة تنعش أمومتي في غيابك؟.. كانت تواسي نفسها خلال طريقها إلى المستشفى على أمل أن يكون ضمن قائمة الأحياء لتسمعه آخر الأمنيات والدعوات لكن القدر شاء أن ترحل أنفاس محمد فتتصلب دمعات الحاجة أم حسن عابد في عيونها!.
صرخة واحدة في جوف الأرض ارتقى إثرها شهيدا بعد أن احتضنه تراب الوطن الذي هو بداية الروح وختامها.
وعلى ترانيم النشيد "وداعا.. وداعا أهلي رفاقي وداعا" فإن صورة عابد، رفرفت في منطقة الشعف في مدينة
غزة احتفالا بعرس الشهيد بعد أن أطفئ شمعته ال 25 قبل يوم واحد من استشهاده وهو يحفر نفقا للمقاومة تحت الأرض ليحيا من فوقها بكرامة وعزة.

عرس الدنيا والشهادة
كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس زفت بدورها المجاهد محمد لطفي عابد من حي التفاح بعد استشهاده إثر حادث عرضي - صعقة كهربائية-  في نفق للمقاومة يوم الخميس الخامس من أيلول/ سبتمبر الجاري.
واختلطت على جدران منزل الشهيد تهاني عرس الدنيا بعرس الشهادة، وألوان الفرحة وتهاني زفافه المتبقية منذ عام، واليوم تحتل صور الشهيد عابد الجزء الأكبر من الجدار الذي حمل صورة لوجع الفلسطيني وفرحه وفخره.
عادت والدة الشهيد لاسترجاع آخر الكلمات والضحكات لفقيدها، فأكدت الحاجة بأنه ما فتي يردد: "كبرنا يمه وشبنا" وابتسمت والدته فرحا به، وبشيبه الجديد وهي تردد على مسمعه: "وقار يا أمي.. يزيدك وقارا" .
خلال الليلة الأخيرة له في دار الدنيا كان يتبع محمد خطوات والدته من حجرة إلى أخرى وهو يسألها أخذ قسط من الراحة لانشغالها طوال اليوم بمولودته البكر (لانا( والمهنئين لتخرج شقيقه من الجامعة، وما إن وصل المطبخ لفتت انتباهه مكعبات البطاطس التي تأخرت والدته عن إعدادها لضيق الوقت، فطلب منها أن تعدها له صباحا لكنه غادر بلا عودة.

الرسالة والشيقل الأخير!
عندما نفتقد أحدهم قد نغير شيئا من عاداتنا ونلتزم الصمت أحيانا، وهو ما تعيشه زوجة الشهيد ريم التي احتضنت )لانا) وهي كل ما بقي لها من رائحة زوجها محمد.
وتقول: "توقعت استشهاده في أي لحظة بعد مشوار جهادي مشرف في كتائب القسام خاصة بعد عمله التطوعي في أنفاق المقاومة"، وتوقفت لتطبع قبلة على جبين صغيرتها، ثم تابعت: "قبل استشهاده بيومين أيقظني من النوم ليعطيني شيكل" وقال وهو يبتسم: "احتفظي به لصغيرتي وقولي لها من صاحب بابا هادا الشيكل".
فاستغربت زوجة الشهيد تصرفاته وفرحته بالشيكل لكنها تحتفظ اليوم به لأنه أغلى شيكل لطفلتها لانا ستعطيها إياه عندما تكبر.
ملامح الشهيد محمد حملت الكثير من قسمات وجه والده الحاج أبو حسن الذي بدأ حديثه قائلا: "نحسبه شهيدا ولا نزكي على الله أحدا".
وأثناء لفظه الآه زفيرا.. قاطعته زوجته وعادت، "حنون الله يرحمه"، وقالت بذاكرتها يوم أن طلبت منه أن يذهب للاطمئنان على صغيرته بعد ولادتها بيومين، وما إن عاد من حجرته حتى قال لها والابتسامة لا تفارق محياه: "ريحتهم يا أمي الاثنتين.. ريم ولانا" ابتسمت أثناء الحديث عن والدها ومحبته لها، فهي أهدت روح والدها تلك البسمة كأنها رسالة شكر لمن رفع شأنها وأعزها بتضحياته.
خمسة عشر يومًا قضاها مع صغيرته فقط، ولكن الأيام المعدودة التي قضاها الشهيد مع مولودته لم تشبع غريزة أبوته، فلون عينيها وبسمة ثغرها ونعومة شعرها تحتاج عمرا للتغزل بها.
الحاج أبو حسن والد الشهيد لا يزال يحتفظ بأجمل رسالة وصلته من ابنه محمد إبان حرب الفرقان التي قال له فيها مطمئنا: "نحن بخير يا أبي..لا تقلق علينا".
داعبت وجه الحاج أبو حسن أغصان شجرة الزيتون التي تفتقد محمد بعد غيابه عنها، فهو رحل كما غيره من الجنود المجهولين ومن يتقدم الصفوف بكل عزيمة وثقة بنصر الله، لأن عمله تحت الأرض لا يعرف للانكسار معنى.

(المصدر: صحيفة الرسالة، 16/9/2013)