إضراب الأسرى.. دلالات المشهد

بقلم: حبيب أبو محفوظ
لسنا في وارد ردّ الاعتبار لقضية الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني، فالقضية على درجة عالية من السخونة بحيث باتت تتصدر معظم نشرات الأخبار المحلية والعربية والعالمية، نتيجة معارك «الأمعاء الخاوية» التي خاضها وما زال الأسرى في السجون منذ أن أطلق شرارتها الأولى الأسير المحرر خضر عدنان، ليكون تحريره شعلة إضاءات عتمة الزنازين، لتتوالى بعدها محاولات الأسرى للنيل من سجانيهم عبر أمعائهم الخاوية، وصمودهم الأسطوري.
على الدوام بقي ملف الأسرى متصدراً برامج السياسيين الفلسطينيين، وقد أظهرت الإحصائيات الأخيرة أن 64% من العائلات الفلسطينية تولي ملف الأسرى الأهمية الأكبر، خاصة أنه لا يوجد بيت فلسطيني إلا واعتقل فيه فرد أو أكثر في سجون الاحتلال وعلى فترات متباعدة، والعجيب هنا أن الأسير الذي أراده الاحتلال نقطة ضعف وقهر لصورة المشهد الفلسطيني، كان هو على الدوام نقطة القوة، بل علامة الوحدة الحقيقية للفلسطينيين.
حاولت إدارة مصلحة السجون، ومعها جهاز «الشاباك» إحداث أكثر من محاولة اختراق لصفوف الأسرى المضربين عن الطعام، بمعاونة المحاكم العسكرية، من أجل كسر إرادتهم وإنهاء إضرابهم، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل الذريع، ولم ينجح أي منها على الإطلاق، ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة؛ لعل أهمها توحيد صفوف الأسرى خلف لجنة واحدة قوية تقود معركة الإضراب، ومن ثم اختيار الوقت المناسب للبدء في معركة الأمعاء الخاوية، والعمل بروح الفريق الواحد بحيث يبدأ تدريجياً ثم ينتقل إلى كافة السجون الصهيونية لشل العقلية العدوانية عن التفكير والتعاطي مع هذه القضية الحساسة إلا من بابٍ واحد هو تنفيذ شروط الأسرى والرضوخ لمطالبهم.
يعيش الأسرى في السجون الصهيونية مرحلة ما دون الصفر، وهم يسعون من خلال إضراباتهم المتتالية للوصول إلى نقطة الصفر على أقل تقدير، إذ يتم حرمانهم من كافة حقوقهم الإنسانية البسيطة، ما يخالف قرارات القانون الدولي الإنساني، واتفاقية جنيف الرابعة، التي تكفل حقوق الإنسان والأسرى على وجه الخصوص، وأكبر مثال على ذلك أن الاحتلال يرفض الاعتراف بالأسرى الفلسطينيين كأسرى حرب، وفي بعض الحالات يرفض التعاطي معهم على أنهم بشر.
من المؤمل أن تشكل المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس رافعة للنهوض على المستوى الإعلامي بقضية الأسرى لإعطائها مساحة أوسع على شاشات الفضائيات بديلاً عن المناكفات السياسية والخلافات التنظيمية، فالسجون الصهيونية تعج بآلاف الأسرى من كلا الفصيلين، والواجب يحتم عليهما العمل معاً للإفراج عنهم من خلال أسر جنود الاحتلال ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين، تماماً كما حصل في صفقة «وفاء الأحرار» العظيمة، حيث خرج 1172 أسيراً وأسيرة فلسطينية دون النظر إلى تلاوينهم السياسية المتعددة.
في نهاية المطاف من المهم القول إن نجاح الأسرى في إضرابهم عن الطعام، وتوحدهم خلف شعار «ميّ- ملح»، أضاف نقطة استراتيجية لسجل التراجعات الصهيونية، مع الإشارة إلى أن الصهاينة لن يتركوا الأمور تسير وفق ما خطط له الأسرى، من خلال التهرب من التزاماتهم وبأشكال جديدة وطرق مختلفة، مما يتطلب من الأسرى ضرورة الانتباه والحذر، والأصل أن نستمع جميعاً لأصوات أمعاء الأسرى، وهي تتحدث بلغة صمود واحدة، وسيخرس في مقابلها نعيق أصوات المفاوضين، وتختفي صور العرابين، وتتلاشى أحلام المطبعين.

(المصدر: صحيفة الاستقلال، 17/05/2014)