صبرا وشاتيلا. يا عيناً بكت دماً وألماً وحزناً

بقلم/ هيثم أبو الغزلان

بكيت قانا، وبكيت صبرا، والفرق بين هذا البكاء وذاك الألم أن الأولى رأيناها مباشرة بعد قصفها بدقائق، فشاهدنا الجثث والأشلاء والأسود القاتم. أمّا مجزرة صبرا وشاتيلا، فقد كنت لم أتجاوز الثامنة من العمر، لكنّني سمعت أمي تقول: «اليهود وعملاؤهم قد قاموا بارتكاب مجزرة كبيرة في صبرا وشاتيلا».. لم أدرك آنذاك معنى المجزرة، ولم أعرف ما طعم الحزن والألم، فكان كل حلم الطفولة الاختباء؛ فإذا كان في صبرا وشاتيلا مجزرة ويهود وعملاء، فهنا في مخيم عين الحلوة أيضاً يوجد يهود وعملاء وقد يرتكبون مجزرة.
ما زلت حتى الآن أذكر أن أمي كانت حائرة، تريد السؤال والاستفسار عن الأقارب، ماذا حلّ بهم؟ هل هربوا أم قضوا أم ماذا؟ كنت أرى الحركات والسّكنات وأراقبها، لكني لم أدرك معناها إلا متأخراً...
هناك في المجزرة كان الأطفال يُذبحون كالخراف، كما الآن يُذبحون في العراق. والنساء لم يعدن قادرات على ندب حظهن، لأنّهن قُطّعت أيديهن وأرجلهن وألسنتهن، وشُوّه الوجه الجميل. والرجال أصبحوا عاجزين عن واجب الحماية، وقتلهم صوت الأنين...
الأشلاء الممزّقة في كل شارع، وكل زاروب، وكل منزل، لقد لطخت الجدران الجميلة الملونة بلون العالم الفلسطيني المطرّز بالدّم القاني الذي رشقه الطفل بوجه الغاصب ليدل على الجريمة، إن حاولوا طمسها، أو نسيان معالمها. قال: «لا تبكي أمّاه، إن قتلونا ذبحاً أو بالرصاص، لا يهم، فالشهادة هي نفسها، وألمنا حصدناه منذ زمن»، ويضيف أريد السؤال: «أمّاه لماذا يريدون قتلنا؟ أَليسوا يزعمون أنّهم يحافظون على حقوق الطّفل والإنسان؟ فلماذا يريدون قتلي وأنا لم أفعل لهم شيئاً ولم أكبر حتى؟». ولم تستطع الأمُّ الإجابة على أسئلة طفلها البريء. ببساطة، كان السفّاحون قد أنهوا مهمّتهم وقتلوهما معاً.
صمْت رهيب يُخيّم على الأجواء، الحركات تتّسم بالحذر، والناس يخفون أنفاسهم، والضّجّة هدأت فلكأنهم يكتبون في ظل هذا الصمت قصيدة سوداء محشوّة بالدّم، ومشتعلة بالبارود...
حدود الطرقات لوحة سوداء يرسمونها بالدم والأشلاء، ويحفرون في الوجدان الأنواء، يأخذونها فتتمرّد على السماء. ذاكرتنا تُحفر كل يوم بآلاف آلاف الشهداء يعافون كل شيء ويتمردون على الكلمات الخرساء. رعب يسري في الأوصال، يُنسيهم حتى الأسماء، يركضون في كل اتجاه، ويحركون الأصدقاء ماذا يقولون؟ ماذا يفعلون؟ فقد أصابهم الإعياء، والراحة تعني الموت والظمأ لا يرويه الماء فكل شيء أصبح في الطرقات؛ أطفال، متاع، نساء يفترشون الأرض نياماً، لا، نظُنُّهم نياماً لكنّهم شهداء.
لم نكن نعلم أن العالم حضاريُّ إلى هذا الحد يترك الدم يجري كالماء ويعطي شهادة سلوك حسن بحرب داحس والغبراء، ويعيدنا إلى أعماق الجهل، ليُسْمعنا سيمفونية الموت السوداء.
لم يعد مشهد الموت يُثير فينا الخوف. فلقد نسينا الكلام والآمال والحضارة وعدنا إلى الصحراء، نسير فوق الجثث والأنقاض؛ فهم يختلفون في الملابس والألوان، لكنهم يضحكون علينا، لأننا نحن الأموات، وينظرون إلينا من سماء زرقاء. لم يناموا، لم يفرحوا، لم يتعبوا ولم يصبهم الإعياء. الدائرة بدأت تضيق الآن، والحنان أصبح يُشترى ويباع اسألوهم عن الهواء من منعه؟ من أخذه؟ من قتل الأطفال الأبرياء؟ والحوامل من النساء؟ اسألوهم، اسألوهم من صادر البكاء... سألت أمّ أين طفلي؟ وسْط ركام القهر أين أجده؟ ملامحه اختلطت عليَّ، لم أعد أميّزه، بل أشعر به أتنفّسه، هذا رامز، هذا سامر، ربّاه لا أعرف ما أقول؟! حطّموا قلبي، دمّروا عقلي...
سال الدم، سال الدم غطّى شوارعنا، غطّى الحقول والأبنية، زرع الخوف، وأنبت الرعب بخنجر وسكين ورصاصة، وجعل مشاعرنا طوفان غضب، وبحرنا لا ترسو فوق سفنه النوارس...
هذا ليس نزق الثورة والثوار، لا وليست براءة الأطفال، وليس فعل من يستحق لوماً. إنه الإجرام، فهل يعي البعض معنى الإجرام؟!

(المصدر: شبكة فلسطين الإخبارية، 18/9/2013)