شهداء النفق.. حياتهم فوق الأرض وتحت الأرض

أفنوا حياتهم في سبيل الوطن والمقاومة، عرفتهم الأرض وجوفها، قبل أن يدخلوها لأخر مرة، ويندمجوا فيها دون انفكاك.

قبل أيام، وبتاريخ 30-10-2017، دق ناقوس الخطر على من هم في جوف الأرض، حينها شاع الخبر في أرجاء غزة، لتشتعل لهيب النار بأنفس المقاومين ودفعتهم روحهم الجهادية لإنقاذ أصحابهم العالقين، هرعوا إلى الموقع سوياً لتختلط دماء اخوة السلاح على أرض الحدث، لتعلن حركتي حماس والجهاد عن نبأ استشهاد ثلة من أبنائهما المقاومين.

فيما كشفت تصريحات أولية عن استخدام الاحتلال لمواد غامضة في صواريخه وصفت بالسامة وتؤدي إلى الاختناق فور استنشاقها، وهذا ما بدا واضحاً على جثامين الشهداء السبعة التي لم تكن اصابتهم مباشرة، في حين هدد القيادي بحركة الجهاد الإسلامي  أحمد المدلل في تصريح خاص لـ “قدس الإخبارية” بأن سيف الجهاد لن يغمد، وسيتم اتخاد الإجراءات اللازمة بحق الاحتلال.

عن حياة الشهيد أبو مرشد

وفي الحديث مع أم عبد الله زوجة الشهيد عرفات أبو مرشد قائد لواء الوسطى في سرايا القدس تقول لـ “قدس الإخبارية“: ” يتميز زوجي بخصلته الطيبة والشجاعة، يتحلى بروح المقاومة فكان نعم الأب الحنون على أولاده يتعامل معهم كأنهم رفاقه بل أكثر، كان يأتي إلى البيت بعد ساعات عمل طويلة منهكاً للغاية إلا انه يأبى أن يأخذ قسطاً من الراحة إلا بعد رؤيته لأفراد عائلته والاطمئنان عليهم، فهو إنسان لن يتكرر أبداً، ويحرص دائما على صلة الأرحام فهو عنصر الجمع للعائلة”.

وتتابع، “في ذات اليوم نفسه كنت أشعر بشيء قد يلتف حول عنقي، يزيد من ألم قلبي شيئاً فشيئاً حتى كدت أن أفقد حيويتي، تصرفاته لم تكن كالمعتادة فبدأ يومه بابتسامة عريضة واجتمع بالأولاد وجلس يمازحهم ويداعبهم كأن هاجس الموت همس في أذنه، فهو أقرب إلى بناته دائماً ما يجلس إليهم ويستمع لطلباتهم وينفدها فور استطاعته، حيث أنه يعتاد على تعطير ملابسه قبل الخروج من المنزل، حينها أبى إلا أن أعطره بنفسي، وأخد يودعني بنظراته التي لم أعهدها من ذي قبل، وعند عتبة المنزل ألقى التحية وذكر الله كعادته ثم رحل، لتكون أخر مرة يخط قدمه على عتبات البيت”.

بينما روى عبد العزيز أبو مرشد شقيق الشهيد لـ “قدس الإخبارية“: “كان يتسم بالشجاعة ويتحلى بالصبر فهو قائد فطن ورجل صلب، صفاته القيادية ظهرت منذ الصغر فترك الدراسة وتفرغ للعمل من اجل إكمال دراستنا نحن أخوته أولاً ثم هو إلى أن تخرجنا جميعنا من الجامعات، عنده انتماء للمقاومة وحبه الشديد للوطن دفعه لبذل الغالي والنفيس، ففي ثالث يوم من اندلاع الانتفاضة الأولى أصيب بتاريخ 13-12-1987 أثناء مطاردته من قبل الاحتلال الإسرائيلي وتم اعتقاله مباشرة وهو ينزف لمدة عام كامل، ليعد من أوائل المصابين الذين سقطوا في مخيم البريج حينها”.

ويضيف، أنه بعد خروجه من سجون الاحتلال انتمى للعمل الحركي في حركة الجهاد الإسلامي، ومن هنا بدأ مشوار المقاومة والبطولة عنده ولم ينقطع عنه أبداً، إلا بعد قدوم السلطة بعام 1996، حينما تم اعتقاله لكنها فترة لم تدوم طويلاً أقل من شهر، ليبدأ التضييق عليه، لكنه واصل مشواره بسرية تامة، إلى أن تم تكليفه بلواء الوسطى فكان الذراع الأيمن للقائد محمد أبو مرشد.

ويشير، إلى أنه بعد استشهاد أبو مرشد في عام 2007، كان يمر اللواء بحالة من التشتت وعدم الانضباط في صفوف المجاهدين بالحركة إلى أن تم تسليم الشهيد عرفات أبو مرشد رسمياً لواء الوسطى في العام 2009، فنجح في إعادة بناء السرايا ونظم العمل الحركي وكافة الأوجه رغم تعرضه لعدة اغتيالات، منها خلال حرب عام 2012، عندما كان يرافق الشهيد حسن أبو حسنين إلا أنها باءت بالفشل، بعدها دكوا تل أبيب بأول صاروخ فجر5 لتكون التجربة الأولى لديهم.

ويوجه شقيق الشهيد رسالة لحركة الجهاد الإسلامي، “بأن يستمروا على درب المقاومة وطريق الجهاد، ففلسطين لن تتحرر بالمفاوضات ولا بالجلوس في الغرف المغلقة بل تتطلب دماء وتضحية أكثر وشهداؤنا خير مثال على ذلك”.

“أبو حسنين” بين الحياة والمقاومة

وفي بيت عزاء الشهيد حسن أبو حسنين نائب قائد لواء الوسطى في سرايا القدس، العائلة التي استقبل منزلها أكثر من عرس للشهادة، فالشهيد مصطفى سابقاً والأن ارتحل أخيه حسن، سلكوا درب الجهاد منذ سنوات طويلة، ومن أجل الجهاد والشهادة أخذوا يبحثون عنها في كل الميادين، إلى أن نالوا مرادهم.

تحدث سعيد أبو حسنين شقيق القائد حسن لـ “قدس الإخبارية“: “أخونا الشهيد حسن سلك هذا الطريق منذ سنوات طويلة، فكنا نتوقع استشهاده بأي لحظة، لكن في تلك الأيام التي تشهد حالة من الهدوء العسكري لا تصعيد ولا حرب فكان خبر استشهاده مدوي ومفاجئ لنا، لكن بكل صبر احتسبناه وشكرنا الله بأن اتخذه شهيداً وندعو أن يكون لنا شفيعاً برفقة الأنبياء والصديقين”.

ويتابع، “الشهيد حسن تربى في مخيم البريج للاجئين مواليد عام 1982م، تعلم التربية الإسلامية وترعرع في المساجد، كان يداوم الذهاب على حلقات القرآن الكريم، التحق بصفوف المقاومة منذ انطلاق انتفاضة الأقصى، وكان له دوراً فاعلاً في مقاتلة الاحتلال بالمستوطنات، وتمت على يده عمليات قتل متعددة، مما دفع العدو لاجتياح المخيم ونسف المنزل فوق رأسه عام 2003، بعدما خاض اشتباكاً دامياً معهم من مسافة صفر، وقدر الله أن يخرج من بين الركام ويكتب له حياة جديدة ويتزوج بعدها ويواصل حياته ويتبوأ مناصب كثيرة في حركة الجهاد الإسلامي وسرايا القدس خصوصاُ، وصولاً إلى الوحدة الصاروخية في لواء الوسطى، التي كانت المسؤولة عن قصف مدينة تل أبيب رداً على اغتيال القيادي بكتائب القسام الشهيد أحمد الجعبري في حرب حجارة السجيل بعام 2012، فكان من أوائل الذين أصروا وصمموا على الانتقام قبل أن تغيب شمس الاغتيال”.

ويضيف، “تعرض الشهيد لعدة محاولات اغتيال منذ عام 2000 حتى العام 2017، ففي معركتي كسر الصمت والبنيان المرصوص تعرض لمحاولتي اغتيال مفاجئ إلا أن إرادة الله جعلته ينجوا من تلك المحاولات، فكان أمنياً لدرجة كبيرة جداً لا يستعمل أجهزة الاتصال إلا نادراً، لكن القدر كتب له موعدًا مع الشهادة بتاريخ 30-10-2017، بعد قصف النفق جنوب القطاع عندما هب لإنقاذ مجموعة من أصحابه المقاومين”.

ويؤكد، على أنهم بعائلة الشهيد أبو حسنين يثمون دور حركة الجهاد الإسلامي الجبارة بما قدموه لهم في مصابهم الجلل، وأن الشهادة طريق كل فلسطيني.

بينما يشير والد الشهيد حسن أبو حسنين، إلى أنه كان منذ صغره يتصف بأخلاق لم يراها في أحد من جيله، فكان انتماؤه للمقاومة وحبه للجهاد واضحاً، وبالرغم من ذلك لم ينقطع عن حياته الاجتماعية كان باراً له ولوالدته التي توفاها القدر منذ عدة أعوام، وبعد زواجه أنجب أربعة أولاد، حينها حاول بأن يقنعه بالتراجع عن ذلك والعيش في هدوء واستقرار مع عائلته، إلا أنه أصر على المواصلة وطريق الجهاد فلا تراجع ولا استسلام على حد وصفه.

شهادة ثم حياة

لم تكن تلك اللحظات بالهينة، فور سماعها نبأ استشهاد رفيق دربها أحمد أبو عرمانة، زوجة الشهيد التي كانت على موعد لاستقبال مولدتها بكل شغف تأملت بأن تفيق من إثر الولادة بجانبها أحمد يطبطب على ألمها لكنها حقاً لم تكن تحلم أبداً، فهي وحيدة وعمق جراحها لم يضمد بعد، فألم المخاض شيء وألمها على فقدان نصفها الثاني شيء أخر، حياة ابنة الشهيد التي ولدت معها الحياة من جديد لتدوي صرخاتها في أرجاء المكان معلنة قدومها بعد استشهاد والدها بيوم واحد فقط، يا لعجائب القدر!

وفي لقاء مع زوجة الشهيد أحمد أبو عرمانة الذي استشهد بعد استهداف النفق تقول لـ “قدس الإخبارية“: “منذ أن ارتبطت بأحمد لم يكن اختلاطه بالتنظيم إلا على قدر خفيف من حضور لجلسات دينية ورباط في بعض الأحيان، إلى أن تعمق شيئاً فشيئاً بحب الجهاد، فكان يعمل حفاراً ومرابطاُ أحياناً”.

وتتابع، “كانت أخلاقه حسنة للغاية وانسان بسيط جداً يحب الجميع ولا يستطيع أن يزعل أحدهم، فكان دوماً يسلك طريقة نحو بر والديه وصلة الأرحام، لا ينقطع عن أخواته البنات أبداً فكان يحبهم شديداً ويقدس الرباط العائلي، حتى أنه دائماً كان يوصيني خيراً بأفراد عائلته إلى أن جاءت تلك الأيام الأخيرة التي فصلتنا عن موعد نبأ استشهاده، فتقربه من أولاده وحبه للجلوس معهم والحديث إليهم كأن الهاماً ربانياً دفعه لذلك، فلكل شهيد كرامات ومن هنا بدأت كرامات أحمد واضحة”.

وتشير، إلى احساسه الذي لم يخيبه أبداً حينما كان يهيئها نفسياً لسماع خبر استشهاده فكان حديثة طوال تلك المدة السابقة عن الشهادة، إلى أنه أفصح لها ذات مرة بأنه من الممكن أن يخرج ولن يعود مجدداً، وها هو بالفعل خرج ولم يعد حينما اتصل به أحد أصدقائه فكان صوت المتصل متحجرجاً للغاية وبه غصة تدل على أنه بخطر محتوم، طالباً النجاة من رفيق لا يخيب الظن أبداً ليفر تاركاً مائدة طعامه دون حتى أن يودع أبنائه ليلحق بهم مسرعاً لإنقاذهم، همه الوحيد من كانوا بانتظاره، ليرتقي يومها شهيداً دون عودة.

وفي الحديث مع والدة الشهيد أحمد أبو عرمانة تقول بكل بصبر وثبات: “ابني رحل شهيداً ودمه لن يضيع هدراً، فالشهادة مسلكه منذ التحاقه بحركة الجهاد فجميع أبنائنا ينتمون إلى هذا الفصيل، فخبر استشهاده صعباً للغاية فأنا الأم وهو قطعة من روحي، فالشهادة سبيل شباب فلسطين والجهاد امر مكتوب علينا إلى يوم الدين، والله ولج قلبه لهذا الطريق إلى أن اصطفاه واختاره من بين الشهداء”.

بينما يقول أخ الشهيد أحمد أبو عرمانة عد الدور الجهادي الذي قام به لـ “قدس الإخبارية“: “عمل أخي الشهيد أحمد في حفر الأنفاق كثيراً، إلى أن شارك بضرب تل أبيب بصاروخ فجر عام 2012م، وفي عام 2014م أطلق صاروخ فجر5 الذي من خلاله هرب نتنياهو من الكنيست، فهذا شرف كبير لنا بأن يتبنى أخونا الشهيد عملية كهذه أوقعت الرعب في قلوب دولة الظلم”، مطالباً حركة الجهاد بتصعيد العمل العسكري كون العدو لا يفهم إلا لغة الحرب والقوة.

محمد أحد أصدقاء الشهيد أحمد أبو عرمانة، الذي لم ينس قوة وصلابة شخصيته الجهادية الممزوجة بالكثير من الطيبة والخلق الحسن، فيقول: “كان أمنياً للغاية لا يخبر أحداً عن أعماله الجهادية والتي كان يقوم بها، كان يمارس حياته بشكل مدروس ومخطوط لا يربك من حوله ولا يستعرض بقواه، بل كتوماً للغاية يرسم ابتسامته العريضة كلما وقع نظرك عليه صدفة، فكان نعم الأخ والصديق، حبه لله أولاً جعله يفني حياته في سبيل الجهاد، وقربه لأصدقائه المقاومين جعله يضحي بالغالي والثمين من أجل انقاذهم من تحت ركام النفق الذي انهار عليهم دون رحمة أو عطف لتوسلاتهم ودعائهم”.

تتوزع الحلوى على حاضري بيت عزاء الشهيد محمد خير الدين البحيصي، الذي ارتقى في استهداف الاحتلال لنفقٍ شرق خانيونس أدى إلى استشهاد 12 شابًا من سرايا القدس وكتائب القسام قبل أيام.

4 أيام فصلت إعلان سرايا القدس عن إعلان أسماء المفقودين في النفق شهداءً دون العثور على جثامينهم نظرًا لعدم التمكن من الحصول عليهم بعد التنقيب المتواصل لعدة أيام، حتى تقرر أداء صلاة الغائب على أرواحهم وإبقائهم لدى الاحتلال في الأراضي المحتلة48.

والدا الشهيد قالا إنهما فخورون جدًا بأن جعلهم نجلهم عائلة شهيد، وأنه كان محبوبًا لدى أهله وأصدقائه وأقرانه وجيرانه، ومطيعًا ومحبًا للجميع وكان يعمل لينال ثواب الآخرة لا الدنيا، مضيفة والدته “لقد نال فرحه الذي كان يتمنى وأصبح عريسًا نزفه اليوم”.

 “أهلًا وسهلًا بالمهنيئين في عرس الشهيد محمد البحيصي” كانت اللافتة معلّقة على مداخل بيت العزاء الذي أقامته العائلة للترحيب بالزائرين، حيث قال والده “أشعر أن اليوم هو فرحه ولا أستقبل التعازي إنما التهاني، وكل بيوت الشهداء كذلك، فيما قالت والدته أشعر أن عرسه اليوم”.

المصدر/ شبكة قدس الإخبارية