الإستشهادي (طلال الأعرج) بطل ثورة السكاكين الجهادية

سيرة الشهيد
 
أظنها طلقات القدر حين هوت.. تكاد لو أبصرت عيناك تعتذر، تلك سمفونية الشهداء والتي تعجز أن تقتحم زينتها إلا حين تلبس ثوبهم ونسعد حين نجد البلاغة التي يمكن أن تسعفنا للحديث عن مجدهم... فللطلقة القادرة عين تدمع الفخر.. وتود أن تعتذر من حقد الإصابة.
طلال الأعرج في سطور
في الرابع عشر من تشرين لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين خرج الشهيد من رحم أمه ليعانق الحياة المتلاطمة بأوجاعها وهمومها، خرج ليقتسم الأحزان مع الفقراء الذين عاشوا ويعيشون بلا وطن.. وأقسم أن يحمل الهم ليحتل اسمه أجمل صفحة من تاريخ شعبنا المناضل.

نشاه المناضل
نشأ الشهيد طلال سليم الأعرج في بيت متواضع حين كان الأكبر لاخوته في حي الدرج بغزة. كانت حياته مليئة بالمجازفات والتحديات وكان يردد دوماً مقولة لحب الانتقام.. انكب الشهيد على العبادات حيث كان يمتنع عن أي حديث دنيوي حتى علاقته بأهله، وكما يقول شقيقه (سمير).. كل حديثه في الدين والقرآن تمسك بتعاليم الإسلام بعد التحاقه في صفوف رجال الدعوة الإسلامية الذين جعلوا منه إنساناً آخر مجبولاً بالروحانيات وحب الآخرة لا يفكر إلا بالله وعذاب الآخرة، فكان إنساناً آخر وكما يسميه أحدهم ملاكاً يمشي في الأرض.. أحبه كل من في الحي حتى الأطفال الذين ارتسمت على شفاههم البسمة من خلال عطفه وحنانه حيث كان دوماً يعطيهم الحلوى وقليلاً من المال وعاش 26 عاماً لم يفتعل أي مشكلة مع أي إنسان كان.
 عمل شهيدنا في اللجان الشعبية العاملة والتابعة لحركة فتح خلال السنوات الأولى للانتفاضة وكان مقرباً كذلك من أنصار حركة حماس، والتحق بعدها بصفوف الجهاد الإسلامي كعضو في مدينة غزة.
 وكان من ضمن الصفوف الأمامية والمتقدمة في المواجهات بين الجيش الصهيوني والمواطنين وضُرب أكثر من مرة خلال هذه المواجهات من قبل الجنود الصهاينة.
 اتجه تفكير الشهيد نحو الشهادة والاستشهاد بعد أن تأكد أن هذه الدنيا ليس لها أي معنى سوى أن يكرس الإنسان جهده وكدحه في سبيل الله ومن أجل الدفاع عن المحرومين والفقراء في سبيل تحقيق هذا الحلم الذي ظل يراوده منذ الصغر.
 وقبل الانتفاضة قام شهيدنا بالاعتداء على عدة مستوطنين داخل ما يسمى بالخط الأخضر فطعن ثلاثة منهم طعنات قاتلة سجن على إثرها مدة من الزمن... وبعد خروجه لم يثنه السجن رغم أنهم وضعوه في سجن المدنيين حيث الحالة النفسية تكون متدنية في جو مليء بأناس متهمين بأمور أخلاقية.. إلخ.
 أصر شهيدنا على مواصلة دربه الذي سلكه منذ البداية وصمم أن ينتقل إلى عيشة الآخرة وهو على هيئة عريس يرتدي ملابس زفافه.. وذلك بعد أن صلى ركعتين بنية الشهادة واتجه إلى المجلس التشريعي في غزة حيث انتظر الجنود الصهاينة مدة من الزمن ولكن لم يحالفه الحظ هذه المرة.
 جن جنون القوات الصهيونية بعد وقوع العملية لأنهم لم يحصلوا على جثة الشهيد والتي تركت تعانق جدار الحي الملطخ بوجع الأيام وهموم الأمة... تركت وأخذها الأهالي وسَّدوها ترابها المعطر بالمسك والياسمين وذلك بعد مواجهات عنيفة داخل الحي يقول شقيق الشهيد: لقد فاضت رائحة جميلة مثل رائحة المسك ولعدة أيام داخل الحي ويوجد هناك أكثر من شاهد على هذه الحادثة وأضاف: بعد عدة أيام من استشهاده شاهدت طلال في المنام ينتظر في مكان عالٍ وأنا أمشي داخل بستان جميل مليء بالفواكه والطيبات.

 العملية الجهادية
قبل يوم واحد من استشهاده.. استشهد ثلاثة شبان من حي الشيخ رضوان في غزة وعم الإضراب الشامل جميع أنحاء القطاع.. وبدأ الأهالي بالانتشار في الشوارع العامة ليعبروا عن غضبهم... وبالطبع كان شهيدنا من ضمن هؤلاء الفقراء والذي صمم أن يكون لهذا اليوم طعم آخر يختلف عن بقية أيامه.
 فمنذ الفجر أخذ شهيدنا بتلاوة القرآن الكريم وترديد أسماء الله الحسنى، وبعد الساعة الثامنة صباحاً جرت مواجهات عنيفة في حي الدرج.
 كان شهيدنا يحمل خنجراً على جنبه وأخذ بإلقاء الحجارة كالمعتاد وبعد أن اقتحم الجنود الصهاينة الحي استدرج الشهيد طلال مجموعة من الجنود إلى داخل أزقة وحواري هذا الحي واختبأ وحين قدوم الجندي الأول سحبه الشهيد من رقبته فأرداه قتيلاً على الفور وكذلك الثاني والثالث والذين كانت طعناتهم في منطقة الصدر والبطن.
 وأما الجندي الرابع فذهل حين شاهد هذا المنظر المريب وأخذ بإطلاق النار بشكل عشوائي فأصاب طلال والجندي الثالث والذي قتل أصلاً من جراء طعنة من قبل الشهيد البطل، ورغم إصابة الشهيد من هذا الجندي انكب عليه بالخنجر وطعنه أيضاً وبسرعة أطلق الجندي رصاصات الحقد التي هوت إلى صدر الشهيد البطل فكادت أن تعتذر من هول الإصابة وهكذا كانت حصيلة العملية الشجاعة ثلاثة قتلى وإصابة آخرين.

 
 وصيته وشعور الأهل
كان شعور الأهل صادقاً تجاه هذا العمل المشرف حيث لم تبك عليه والدته ولا حتى زوجته والتي أوصى بها وبطفلته قبل مماته بأن تعيشا حياة هادئة بعيدة عن الأحزان.
 وللشهيد وصية وعدة أشعار كتبها قبل استشهاده نقتطف منها: [الدنيا سيد وعيها أسود بلا صاحب وتغدو أصيلاً الزقاق التافه سيدها عالم حكيم ويعمل السر وما يلي فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. لفلسطين كرامة يشهدها القدس والحرم لها العزة والجلالة بعد الله تحترم].
 ويؤكد شقيقه إننا كنا في غاية السعادة لأنه حقق ما أراد حيث أوصاني ولعدة مرات بالأهل لأنه سينتقل إلى عالم آخر عند عمر بن الخطاب والصحابة. بإذنه تعالى ستذهب حي أردت يا هذا الساكن في عمق الجرح ويا هذا الذي تربعت على عرش العزة والكرامة لن ننساك وستظل في القلب والذاكرة يا بطل السلاح الأبيض.

(المصدر: موقع سرايا القدس)