تشريح الشهيد جرادات في أبو كبير.. تشويش على جريمة القتل بالتعذيب

لا أعتقد أن أحداً كان بحاجة لإخضاع الجسد الطاهر للشهيد عرفات جرادات للتشريح الطبي للوقوف على أسباب وظروف استشهاده، باستثناء الاحتلال الذي يسعى من خلال التحقيق الطبي الجنائي عبر التشريح وبحضور ممثلين عن السلطة وعن عائلة الشهيد – كما جاء في الإعلام الصهيوني - لتبرئة نفسه من ارتكاب الجريمة تبرئة مقرونة بتحقيق اجتهد كثيراً ليظهره على أنه تحقيق نزيه وشفاف، يجريه بحضور إشراف فلسطيني وطاقم صهيوني ربما يتمتع بالكفاءة المهنية، لكن لن نكون سذجاً لنصدق أنه يتمتع بالنزاهة العدلية التي وصلت فضائحه إلى مستوى المتاجرة بأعضاء شهدائنا، ولنا نحن الفلسطينيين تجارب مؤلمة مع مختلف مؤسساتهم القانونية التي صدق بعضنا أنها يمكن أن يتجرد من عنصريته وولائه الصهيوني، وتقف ولو لمرة واحدة على الحياد، وليس أدل على ذلك من قرارات ما تسمى بمحكمة العدل العليا في الاستيطان والجدار وحتى في الانتهاكات الواضحة لحقوق الإنسان الفلسطيني.
الكيان الصهيوني يجيد شيطنة الأمور بطريقة لا يستطيع أحد مجاراتها في ذلك، فهو يتملك الإعلام والمال والخبراء ودهاء إبليس، يستطيع معه أن يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، ويريدنا أن نجاريه لعبته في الدخول إلى دهاليز وتفاصيل نيته فيها وتحرفنا عن حقوقنا الرئيسية، أو على الأقل ينجح في التشويش عليه، وهو أراد من إجراء التشريح بحضور فلسطيني أن يقول: أن ليس لديه ما يخفيه، وخلق صعوبات أمام أي ادعاءات فلسطينية تخالف نتائج التشريح.
المستغرب هنا هو حقيقة موافقتنا على إجراء التشريح ومواقيتنا المشاركة والإشراف، فإن كان من شارك يعتقد أنه يستطيع أن يصل لنتيجة تدين المجرم فإنما هو ساذج كبير، ساذج على مستوى الثقة بجزاري أبو كبير، وساذج مرة أخرى في مدى معرفته بأساليب التعذيب التي يمارسها مجرمي الشاباك في أقبية التحقيق.
فنحن الفلسطينيون لم نكن بحاجة لبراهين وقرائن نستطيع من خلالها تحميل الصهاينة المسؤولية عن استشهاده، فطالما استشهد أثناء الاعتقال فالاحتلال الصهيوني يتحمل مسؤولية مبدئية، لكن الأمر أكبر وأوضح من مجرد المسؤولية المبدئية، لأن الشهيد عرفات استشهد أثناء التحقيق، والتحقيق مع الفلسطينيين لا يجرى مع فنجان قهوة، وكلنا نعرف ماهية التحقيق وأساليب التعذيب التي يمارسها المحققون، بدءاً من المنع من النوم لأيام والشبح وهو عبارة عن التعليق من الأيدي وملامسة الأرض عبر أطراف أصابع القدمين، والهز العنيف للجسد والضرب الخفيف على أعلى مؤخرة الرأس، والأخطر فيها هو الإغراق مع الضغط على الخصيتين.
بالإضافة لأشكال أخرى من العنف والضغط النفسي، لسنا في معرض حصرها، وقد دفع العديد من الأسرى حياتهم جراء ذلك، لكن أساليبهم من الذكاء بحيث تستطيع انتزاع الاعترافات من الضحية بالقوة، ودون أن تترك آثار جسدية واضحة وقوية، يمكن الربط بينها وبين سبب الوفاة، فنحن لسنا بحاجة للوصول إلى براهين تؤكد استشهاده بسبب التعذيب لنستطيع إدانة الاحتلال الصهيوني، لأن موته أثناء التحقيق يعنى موته نتيجة للتعذيب، فلا يوجد تحقيق صهيوني بدون تعذيب حتى عندما يجرى مع الأطفال والنساء. 
ويكفى أننا والعالم أيضاً يعرف أن دولة الكيان الصهيوني هي الدولة الوحيدة في العالم التي سن برلمانها قوانين تجيز استخدام العنف الجسدي أثناء التحقيق مع من يوصفون بالإرهابيين، وبالأمس القريب فقط رفض يورام كوهين رئيس الشاباك توصية قاضى صهيوني بتوثيق جلسات التحقيق عبر تنقية الفيديو، لأن كوهين يدرك أن التوثيق سينزع منه سلطته المطلقة في تعذيب الفلسطينيين وانتهاك كرامتهم وإنسانيتهم.

إن قتل الشهيد جرادات أثناء التحقيق جريمة واضحة ليست بحاجة للبرهنة، لا لنا ولا للمؤسسات القانونية الدولية التي تتمتع بالحد الأدنى من النزاهة، والتشريح العدلي الصهيوني ليس إلا فرصة للمجرم لتشويش الحقائق، ولغسل يديه من دم الضحية.

(المصدر: فلسطين الإخبارية، 26/2/2013)