الخميس 24 سبتمبر 2020 م -
  • :
  • :
  • م

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

    ميسرة أبو حمدية.. شهيد الإهمال الطبي

    آخر تحديث: ، 03 إبريل 2015 ، 10:27 ص

    بقلم/ نوال صلاح

    لم تأت ساعته بعد، غاب وعاد، اختار أول الربيع لنبوءته القادمة، وتعطر بزيت اللوز وتكلل بتاج الملائكة.. .إنه ميسرة الذي فاجأنا بموته الصعب، فاجأ سجانيه بقدرته على تجاوز حدود الموت.. ميسرة الناطق باسم الشهداء الذين سقطوا وباسم الذين سوف يسقطون قهرا ومرضا عندما تدور الأمراض في أجسادهم سنة وراء سنة، ويغلق السجانون أمامهم نوافذ القلب، ولا يبقى سوى رقصات الموت تحلق حول أرواحهم الشاردة.
    الشهيد ميسرة أبو حمدية أبو اسنينة (أبو طارق).. ابن مدينة الخليل الذي ولد عام 1948م، وقد حصل على دبلوم في الإلكترونيات من القاهرة، ومن ثم التحق بجامعة بيروت لدراسة الحقوق و لم يكمل الدراسة بسبب ظروف الملاحقة والاعتقال من قبل الاحتلال.. فقد انخرط في صفوف الثورة عام 1968م، وتم اعتقاله بتهمة الانتماء لاتحاد طلاب فلسطين في العام 1969.
    وكذلك تم اعتقاله عدة مرات في الفترة بين 1969-1975، تم اعتقاله في 1976 تحت الاعتقال الإداري وبقي حتى العام 1978، وليتم حينها إبعاده من المعتقل للأردن.
    التحق أبو طارق في صفوف الثورة الفلسطينية وكان من مناضلي القطاع الغربي في لبنان مقاتلاً في كتيبة الجرمق الكتيبة الطلابية والتي كانت بقيادة المناضل معين الطاهر، عمل ضمن مجموعات التيار الإسلامي في فتح والذي أسسه منير شفيق وأصبح من قياداته البارزة، وكان يعمل على المزاوجة بين المقاومة والعمل الإسلامي.
    تميز بأخلاقه ودينه وخبراته التقنية الفنية في مجال التصنيع المقاوم، وكان مناضلا ومجاهدا فذا يعمل بجد وصمت، شهد له بالتدين والالتزام بالعبادات، عقلية إستراتيجية مميزة في التفكير السياسي والجهادي، خبير في إعداد المتفجرات والعبوات الناسفة، عقلية أمنية مميزة.
    أشرف أبو طارق على تجهيز وتخطيط العديد من العمليات العسكرية الكبرى وهو في الخارج، كان في مقدمة هذه العمليات (عملية الدبويا) الشهيرة في الخليل، وعمليات أخرى في القدس مثل عملية (باب المغاربة) وغيرها.
    عاد أبو طارق إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد اتفاقيات أوسلو عام 1998م، والتحق بصفوف جهاز الأمن الوقائي، وأصبح مسؤولا عن قسم مكافحة التجسس، لكن عمل أبو طارق الوطني داخل الجهاز لم يرق لقيادة الجهاز آنذاك، فحصلت مشادات وخلافات بين أبو حمدية وقيادة الجهاز على خلفية كيفية ملاحقة عملاء وجواسيس الاحتلال، انتهت بخروج أبو حمدية من الجهاز بعد شهور قليلة جدا.
    رغم عودة أبو طارق إلى الأراضي المحتلة ضمن اتفاقيات أوسلو، إلا أن أبو طارق كان يدرك أن الاتفاقيات لن تحقق للشعب الفلسطيني أي مستقبل كان، لذلك تفرغ للعمل المقاوم الصامت، بعيدا عن المواقع الرسمية، وبني جسور وعلاقات مع كتائب عز الدين القسام، وأصبح من أبطال القسام الميامين، الجنود المجهولين، الذين أذاقوا العدو الويلات، وسطروا فصولاً من الجهاد والمقاومة ضد الصهاينة المغتصبين حيث التحق بكتائب القسام منذ بدايات عملها وشارك في تدريب المجاهدين، وعمل بصمت وجهد دءوب على إمداد المجاهدين بالسلاح والمتفجرات.
    اعتقل الجنرال العجوز في الثامن والعشرين من مايو لعام 2002، بعد اعترافات في أقبية التحقيق أدت إلى تطويق منزله في منطقة الحاووز في الخليل لعلاقته المباشرة مع مجموعات عسكرية تابعة لكتائب القسام في بلدة بيت فجار قضاء بيت لحم، حيث قام بتجهيز أحزمة ناسفة متفجرة لهذه المجموعات الاستشهادية التي قامت بعدة عمليات مميزة.
    تم نقله إلى زنازين التحقيق التي مكث فيها عدة أشهر، قدم بعدها إلى المحاكمة وحكم علية بالسجن خمسة وعشرين عاما، إلا أن النيابة العامة استأنفت الحكم، وأعادت محاكمته، ليرتفع الحكم إلى مؤبد.
    بعد صفقة وفاء الأحرار، انتقل ميسرة إلى أقسام حماس في معتقل ايشل ونفحة، وكان مثالا للوحدة الوطنية وتجميع الأسرى، حيث عمل أبو طارق خلال اعتقاله على تقريب وجهات النظر بين أسرى حماس وفتح، لا بل كان يعمل على إعداد مشروع مصالحة بين فتح وحماس من داخل السجون والمعتقلات.
    وخلال الشهرين الأخيرين من اعتقاله ومنذ اكتشاف السرطان لديه طرأ تدهور متسارع وكبير على وضعه الصحي، ما هدد حياته، وأصبح مؤخرا بين الحياة والموت، حيث عانى من انتفاخ في الغدد الليمفاوية، وهبوط حاد في الوزن، وعدم القدرة على النطق وأوجاع في كافة أنحاء الجسد، خصوصا الأضلاع والعضلات وعدم استطاعته النوم ليلا ونهارا من شدة الألم.
    ويشتد المرض والألم ويفتك الورم بميسرة.. ميسرة الناطق باسم الشهداء الذين سقطوا وباسم الذين سوف يسقطون قهرا ومرضا عندما تدور الأمراض في أجسادهم سنة وراء سنة، ويغلق السجانون أمامهم نوافذ القلب، ولا يبقى سوى رقصات الموت تحلق حول أرواحهم الشاردة.. هو الشاهد على ما يجري في تلك الغياهب المعتمة، أجساد مخدرة بأدوية المسكنات، معاقون ومشلولون تساقطت أطرافهم واختنقوا بالأوجاع، كل يكتب وصيته قبل الفجر، ويختبئ في جسده المحطم وينتشر في الغياب.
    ويقترب أبو طارق من حد الموت وهو الذي رأى كيف سقط الشهداء أبو هدوان وزكريا عيسى وزهير لبادة، وعرفات جرادات وأشرف أبو ذريع، بلا وداع، الوقت كان سيفا، والجسد يغلي ويبرد، حمى وصراخ وعدم. أجساد معلقة على الأمل، درب مقفر، أرواح معلقة أجراسا تنتظر كأسا من الماء ترويها وتنكسر، ولا تسمع في الليل إلا صوت الحديد يقطع ظل المرضى، ينحرهم ولا ينام.
    ينقل أبو طارق مسربلا بأوجاعه ومقيدا بزرد السلاسل إلى قسم العناية المكثفة في مستشفى سوروكا.. ولتفيض روحه الطاهرة إلى بارئها عند الساعة الثامنة من صباح يوم الثلاثاء الموافق2/4/2013  بعد معاناته من مرض السرطان نتيجة الإهمال الطبي.
    وفيما ودع أبو حمدية الحياة الدنيا من على سرير الموت في مشفى سوركا يسجل التاريخ أبشع جريمة وأخطر عمل منظم لقتل الأسير ميسرة مع سبق الإصرار وارتكاب مؤامرة متعددة الأطراف شاركت بها مدرية السجون العامة والمخابرات الصهيونية بسبب الإهمال الطبي والتلكؤ بالإفراج عنه.
    وليكون استشهاده دليلا آخر على خطورة الأوضاع في سجون الاحتلال، وظروف سجون الاحتلال وزنازين التعذيب وما يعانيه الأسرى في السجون من أشكال التعذيب والإهمال الطبي المتعمد والممارسات اليومية التي تفوق تصورات العقل البشري بحق الأسرى الفلسطينيين، وتلقيهم معاملة وحشية وقاسية على أيدي القائمين على السجون بشكل منهجي مدروس مسبقا من أجل النيل من صمود الأسرى في سجون الاحتلال.
    ميسرة أبو حمدية أنت عدت، نجوت من ألف سرطان احتلالي، قاومت الوباء في السجون، وأنزلت كل الأقنعة: أقنعة الدولة التي تمارس الجريمة البطيئة بحق الأسرى، الدولة التي ذبحت السلام في جسدك، أقنعة الدولة التي صارت دولة سجون تطارد الحرية والقيم الإنسانية في كل مكان،أقنعة دولة القراصنة التي اكتشفتها من الداخل، في الزنزانة وفي البوسطة وعلى سرير المشفى وفي حقول القمح.
    أبا طارق.. أنت عدت، نزلت عن صهوة الموت وصعدت سلم السماء، وهم عادوا إلى السجن يبحثون عن بقاياك من رسائل وخربشات ملغومة بالأمنيات، فشهداؤنا يعودون أحياء، والقتلة يعودون أمواتا في شكل أحياء، يختنقون بأشباحنا وأعمارنا الطوال.. قلت لهم: "أنا من ولدتني الخيل في أعالي الجليل، وأنا ابن لغة الأرض ودوالي الخليل، أنا ابن كوفية وبحر وقدس وماء وجامع وكنيسة، أنا من زرعتني أمي برفق لأكون أنا، هنا وغدا في الضوء والنصر والصلاة وعودة اللاجئين والمعذبين".

     


    أضف تعليق



    تعليقات الفيسبوك

حسب التوقيت المحلي لمدينة القدس

حالة الطقس حسب مدينة القدس

استطلاع رأي

ما رأيك في تضامن الشارع الفلسطيني مع الاسرى في معركتهم الأخيرة في داخل سجن عوفر؟

42.2%

15.6%

37.8%

4.4%

أرشيف الإستطلاعات
من الذاكرة الفلسطينية

استشهاد المجاهد جابر الحرازين أحد مؤسسي حركة الجهاد أثناء توغل لقوات الاحتلال بحي الشجاعية شرق مدينة غزة

24 سبتمبر 2002

التوقيع على اتفاقية طابا (اتفاق المرحلة الانتقالية) بين ياسر عرفات ووزير خارجية الكيان الصهيوني شمعون بيريز في القاهرة

24 سبتمبر 1995

معركة جبع بين المجاهدين العرب والقوات البريطانية، حيث دُحر البريطانيون في هذه المعركة

24 سبتمبر 1936

تشرشل يصدر الكتاب الأبيض رقم 1700 ويتضمن تأسيس مجلس تشريعي في فلسطين يرأسه المندوب السامي

24 سبتمبر 1922

قوات الانتداب البريطاني تحتل مدينة عكا

24 سبتمبر 1918

إستشهاد الأسير المحرر نعيم طلال أبو سيف حيث قتل غدراً والشهيد من مخيم جباليا

24 سبتمبر 2002

مقتل مستوطنة وإصابة آخرين في هجوم مسلح نفذه مجاهدي سرايا القدس على سيارة للصهاينة قرب قرية بردلة

24 سبتمبر 2001

الأرشيف
القائمة البريدية